محمد بن زكريا الرازي

87

المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )

أن الدماغ هو المعتل في خاصة نفسه من مرة سوداء مجتمعة فيه وقد يداوي مثل هذا الوسواس السوداويّ بالاستحمام المتوالي مرارا كثيرة وبالتدبير الأغذية المولدة للخلط الجيد الرطب من غير أن يحتاج في ذلك إلى دواء آخر وذلك متى كانت العلة لم تطل فيصير الخلط الفاعل لها عسر الانقلاع وهذا الضرب من الوسواس السوداوي إنما يحدث بعقب علة حادة تكون في الرأس إما من قبل احتراق من الشمس وإما عندما يحدث فيه علة من جنس الورم الحار الدمويّ أو يكون مع ذلك سرسام حار ويكون أيضا بعقب هموم أو غموم يكون معها سهر . 7 - [ فأما الصرع ] فقد يحدث أيضا من أحد وجوه ثلاثة أحدها لأن يكون في الدماغ بعينه والآخر أن يكون من شيء يصعد إليه من فم المعدة والثالث أن تبتدىء العلة من عضو ثم يصعد إلى الرأس منه كما قد عرض الإنسان أنه كان يجد حسا في ساقه ثم يصعد في فخذه على الاستقامة حتى يمر في خاصرته وجنبيه إلى عنقه ثم إلى رأسه فيغمى عند ذلك عليه وأن الذي كان يصعد شبيه بالريح الباردة ومثل هذا يكون من الجرارات إذا نهشت ومن العقارب إذا لسعت بحمتها فإن البدن يتغير بذلك تغيرا شديدا على أن الذي يقع فيه من هذا الحيوان جوهر قليل المقدار وذلك أن طرف حمتها أعني الجرارة وحمة العقرب البرية من الرقة ما لا يتوهم من رآه ثقبا يخرج السم منه ولا بد أن تتوهم ضرورة أن هنالك جوهرا إما من جنس الريح وإما من جنس الرطوبة مقداره يسير وقوته عظيمة . وقد وصف من لسعته عقرب أنه يضرب لحجارة البرد وكان بدنه باردا كله وكان يعرف عرقا باردا فأفلت بعد كد . فإذا كان مثل هذا الجوهر في عضو عصباني انبعث قوته إلى مبدأ العصب وقد يمكن أن تبلغ حمة العقرب إلى غور البدن بأن تنفذ الجلد . وأما نهشة الجرارة فإنه يكون في سطح الجلد الخارج وذلك أن الإنسان الذي وصفناه إنه كان يصعد إلى رأسه